السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

410

مفاتيح الأصول

إلى الاحتمال الأول وحكي هذا في جملة من الكتب عن القاضي أبي بكر وفي الكشف عن أبي حنيفة وأبي يوسف والأقرب عندي هو القول الأول للأصل والعمومات المانعة عن العمل بغير العلم المعتضدة بالشهرة العظيمة الَّتي لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف من أصحابنا وبندرة حجية شهادة عدل في الموضوعات الصرفة كحجية مطلق الظن فيها وبما ذكر يندفع جملة من العمومات الدالة على الاحتمال الأول ويلحق بالتزكية هنا الجرح فيعتبر فيه أن يكون من عدلين ويلحق بالشاهد الإمام وغيره ممن يعتبر عدالته عدا الراوي فيعتبر في تزكيته وجرحه وقوعهما من عدلين ويلحق بشهادة العدل الواحد بتزكية المذكورين وجرحهم الظنون التي لم يقم من الشرع دليل على حجيتها فلا يعتبر في إثبات عدالة وجرح أولئك وإذا أثبتنا عدالة الراوي حيا كان أو ميّتا بشهادة عدل أو بظن من الظنون فصار شاهدا وإماما أو نحو ذلك فلا يجوز الحكم بعدالته بالنسبة إلى هذه الأمور وأن يثبت بالنسبة إلى الرواية ولا امتناع في ذلك فتأمل الخامس إن قلنا بأن التزكية والجرح من الأمور الاجتهادية الَّتي يعتبر فيها الظنون إما مطلقا أو في الجملة فإن قام دليل عليهما ولم يكن مفيدا للعلم كان اللازم الفحص عن معارضة ومراعاة أقوى الظنين منهما مطلقا ولو كان ذلك الدليل شهادة العدلين وإن قلنا إن الأمرين المذكورين من باب الشهادة فاللازم فيهما مراعاة شرائط الشاهد وأحكام الشهادة إلا ما خرج بدليل ولا يجب حينئذ الفحص والبحث عن المعارض ولا مراعاة أقوى الظنين وقد أشار إلى ذلك في النهاية فقال من جعل الشهادة والرواية ملحقين بالشهادة يلزمه قبول تزكية العبد والمرأة في الرّواية ومن ألحقهما بالرّواية جوّز تزكيتهما وكما يقبل روايتهما يقبل تزكيتهما انتهى وإن قلنا إن الأمرين المذكورين من باب الرجوع إلى أهل الخبرة فيلزم فيهما مراعاة ما يلزم فيه والأقرب عندي أن الأمرين المذكورين بالنسبة إلى من عدا الراوي من الشاهد والإمام وغيرهما من باب الشهادة وأما بالنسبة إلى الراوي فلا يبعد دعوى كونهما من الأمور الاجتهادية فتأمل وسيلة مفتاح العادل إذا زال عنه وصف العدالة بارتكابه كبيرة أو إصراره على صغيرة ثم تاب عما ارتكبه من المعصية القادحة في عدالته على الوجه المعتبر شرعا عادت عدالته وقبلت شهادته وجازت إمامته وكلّ شيء يتوقف على العدالة فليس ارتكاب المعصية القادحة في العدالة مما يمنع من عود العدالة وقد صرّح بذلك في مجمع الفائدة وغيره ولهم وجوه منها ظهور الاتفاق على ذلك ومنها أنه لو كان ذلك فاسدا لاشتهر بل وتواتر والتالي باطل ومنها الخبران أحدهما لجابر عن أبي جعفر عليه السلام التائب من الذنب كمن لا ذنب له وثانيهما خبر دارم بن قبيصة عن الرضا عليه السلام عن آبائه قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله التّائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يقدح في جواز الاعتماد عليهما ضعفهما سندا لانجباره بما تقدم إليه الإشارة لا يقال الرّواية قاصرة عن إفادة المدعى إذ ليس فيها إلا أن التائب مثل الذي لم يصدر عنه ذنب ومن الظاهر أن عدم صدور الذّنب لا يستلزم العدالة فإن الطفل الصّغير لم يصدر منه ذنب وليس بعادل لأنا نقول ما ذكر باطل جدّا فإن الظاهر أن المشتبه به هنا البالغ الذي يمكن منه صدور الذّنب ولم يصدر أصلا باعتبار زيادة الورع والتقوى ومن الظاهر أن هذا لا يكون إلا عادلا ومقبول الشهادة فالتشبيه به يفيد المدعى بناء على أن الأصل فيه اشتراك المشبه مع المشبّه به في جميع وجوه الشبه لا يقال ذلك على تقدير تسليمه مشروط بعدم ظهور بعض الوجوه وتبادره من إطلاق التشبيه فإذا تبادر بعض منها انصرف الإطلاق إليه ومحلّ البحث من هذا القبيل فإن المتبادر من إطلاق التشبيه المذكور في الروايتين نفي استحقاق العقاب لا غير فهما لا يفيدان المدعى لأنا نقول لا نسلم تبادر ذلك بل الظاهر تبادر جميع الوجوه فينهضان لإثبات المدعى فتأمل ومنها أن القاذف الذي يخرج عن العدالة بقذفه تعود إليه العدالة بالتوبة من القذف فيلزم أن يكون كل من خرج عن العدالة بارتكاب كبيرة من الكبائر كذلك أما المقدّمة الأولى فقد صرّح بها في النهاية والخلاف والغنية والسرائر والنافع والشرائع والقواعد والإرشاد والتحرير والإيضاح والدروس والمسالك ومجمع الفائدة والكفاية والكشف وروض الجنان ولهم وجوه أحدها تضمن جملة من الكتب دعوى الاتفاق على ذلك ففي الخلاف القاذف إذا تاب وصلح قبلت توبته وزال فسقه بلا خلاف وتقبل عندنا شهادته فيما بعد دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وفي التحرير لو تاب القاذف لم يسقط الحدّ وزال الفسق إجماعا وقبلت شهادته سواء جلد أو لم يجلد وفي التنقيح أجمع الأصحاب ودلت الآية على قبول شهادة القاذف قبل توبته وصلاح عمله وفي الكفاية لا خلاف في عدم قبول شهادة القاذف قبل التوبة ولا خلاف أيضا في قبول شهادته بعد التوبة وفي روض الجنان لا تقبل شهادة القاذف مع عدم اللعان أو البيّنة بالآية الكريمة والإجماع الظاهر والمحكي في كلام جماعة والنّصوص المستفيضة وتقبل شهادته بعد توبته وإن لم يسقط عنه الحد بلا خلاف بل عليه إجماعنا كما في التحرير والتنقيح وثانيها ما تمسّك به في الخلاف والكفاية من قوله تعالى لا تقبلوا لهم شهادة أبدا مع قوله تعالى إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا وثالثها خبر ابن سنان الذي وصفه بالصّحة في مجمع الفائدة والكفاية عن الصادق عليه السلام قال سألته عن المحدود إن تاب تقبل شهادته فقال إذا تاب وتوبته أن يرجع فيما قال ويكذب نفسه عند الإمام وعند المسلمين فإذا فعل ذلك كان على الإمام أن يقبل شهادته بعد ذلك ورابعها خبر أبي الصّباح الكناني عن الصادق عليه السلام قال سألته عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته قال يكذب نفسه قلت أرأيت إن أكذب نفسه تقبل شهادته قال نعم وخامسها خبر يونس عن أحدهما عليهما السلام قال سألته عن الذي يقذف المحصنات يقبل شهادته بعد الحدّ إذا تاب قال نعم قلت وما توبته قال يجيء فيكذب نفسه عند الإمام ويقول قد افتريت على فلانة ويتوب مما قال سادسها ما أشار إليه